الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

21

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مدة طويلة . وخلق المضغة عظاما هو تكوين العظام في داخل تلك المضغة وذلك ابتداء تكوين الهيكل الإنساني من عظم ولحم ، وقد دل عليه قوله : فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً بفاء التفريع على الوجه الذي قرر في عطف فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ بالفاء . فمعنى فَكَسَوْنَا أن اللحم كان كالكسوة للعظام ولا يقتضي ذلك أن العظام بقيت حينا غير مكسوة ، وفي الحديث الصحيح : « إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح » الحديث ، فإذا نفخ فيه الروح فقد تهيأ للحياة والنماء وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ لأن الخلق المذكور قبله كان دون حياة ثم نشأ فيه خلق الحياة وهي حالة أخرى طرأت عليه عبر عنها بالإنشاء . وللإشارة إلى التفاوت الرتبي بين الخلقين عطف هذا الإنشاء ب ( ثم ) الدالة على أصل الترتيب في عطف الجمل ب ( ثم ) . وهذه الأطوار التي تعرضت لها الآية سبعة أطوار فإذا تمت فقد صار المتخلّق حيا ، وفي « شرح الموطأ » : « تناجى رجلان في مجلس عمر بن الخطاب وعليّ حاضر فقال لهما عمر : ما هذه المناجاة ؟ فقال أحدهما : إن اليهود يزعمون أن العزل هو الموءودة الصغرى ، فقال علي : لا تكون موءودة حتّى تمرّ عليها التارات السبع وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ الآية ، فقال عمر لعليّ : صدقت أطال اللّه بقاءك » . فقيل : إن عمر أول من دعا بكلمة « أطال اللّه بقاءك » . وقرأ الجمهور فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ بصيغة جمع الْعِظامَ فيهما . وقرأه ابن عامر وأبو بكر عن عاصم عِظاماً . . و الْعَظْمُ بصيغة الإفراد . وفرع على حكاية هذا الخلق العجيب إنشاء الثناء على اللّه تعالى بأنه أَحْسَنُ الْخالِقِينَ أي أحسن المنشئين إنشاء ، لأنه أنشأ ما لا يستطيع غيره إنشاءه . ولما كانت دلالة خلق الإنسان على عظم القدرة أسبق إلى اعتبار المعتبر كان الثناء المعقب به ثناء على بديع قدرة الخالق مشتقا من البركة وهي الزيادة . وصيغة تفاعل صيغة مطاوعة في الأصل ، وأصل المطاوعة قبول أثر الفعل ، وتستعمل في لازم ذلك وهو التلبس بمعنى الفعل تلبسا مكينا لأن شأن المطاوعة أن تكون بعد معالجة الفعل فتقتضي ارتساخ معنى الفعل في المفعول القابل له حتى يصير ذلك المفعول